ابن عجيبة

252

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

السحر ، وليس بمعجزة من عند اللّه ، وَما سَمِعْنا بِهذا ، يعنى : السحر ، أو : ادعاء النبوة ، فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ ، الجار : حال منصوبة بهذا ، أي : ما سمعنا بهذا كائنا في آبائنا ، أي : ما حدّثنا بكونه فيهم ، ولا موجودا في آبائهم . وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ ، فيعلم أنى محق ، وأنتم مبطلون . وقرأ ابن كثير : « قال » ؛ بغير واو ؛ جوابا لمقالتهم . وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ أي : العاقبة المحمودة ، فإن المراد بالدار : الدنيا ، وعاقبتها الأصلية هي الجنة ؛ لأن الدنيا خلقت معبرا ومجازا إلى الآخرة ، والمقصود منها ، بالذات ، هو المجازاة على الأعمال فيها من الثواب الدائم ، أو العقاب الأليم ، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ؛ لا يفوزون بالهدى في الدنيا ، وحسن العاقبة في العقبى . قال النسفي : قل ربى أعلم منكم بحال من أهّله اللّه للفلاح الأعظم ؛ حيث جعله نبيا ، وبعثه بالهدى ، ووعده حسن العقبى ، يعنى نفسه ، ولو كان كما تزعمون ، ساحرا ، مفتريا ، لما أهله لذلك ؛ لأنه غنى حكيم ، لا يرسل الكاذبين ، ولا ينبّئ الساحرين ، ولا يفلح عنده الظالمون ، وعاقبة الدار هي العاقبة المحمودة ؛ لقوله تعالى : أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ « 1 » . والمراد بالدار : الدنيا ، وعاقبتها : أن تختم للعبد بالرحمة والرضوان ، ويلقى الملائكة بالبشرى والغفران . ه . وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي ، قصد بنفي علمه بإله غيره نفي وجوده ، أي : مالكم إله غيرى . قاله ؛ تجبرا ومكابرة ، وإلا فهو مقر بالربوبية ؛ لقوله تعالى ؛ حاكيا عن موسى عليه السّلام : لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ « 2 » ، وروى أنه كان إذا جن الليل ، لبس المسوح وتمرغ في الرماد . وقال : يا رب إني كذاب فلا تفضحني « 3 » . ثم أمر ببنيان الصرح زيادة في الطغيان ، بقوله : فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ أي : اطبخ لي الآجر واتخذه . وإنما لم يقل مكان الطين : آجرّ ؛ لأنه أول من عمله ، فهو معلمه الصنعة بهذه العبارة ، فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً أي : قصرا عاليا ، لَعَلِّي أَطَّلِعُ أي : أصعد . فالطلوع والاطلاع : الصعود ، إِلى إِلهِ مُوسى ، حسب

--> ( 1 ) من الآية 22 من سورة الرعد . ( 2 ) من الآية 102 من سورة الإسراء . ( 3 ) هذا رواية باطلة ، فأولا : لا سند لها ، فهي لا تصح ، وثانيا : لأنها تناقض سلوك فرعون إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ و مِنَ الْمُفْسِدِينَ وطبع اللّه على قلبه وانظر إلى السطر التالي من كلام الشيخ ابن عجيبة رحمه اللّه .